الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

268

انوار الأصول

إذا كان التفاوت بين الضررين أقلّ قليل بحيث تكون القاعدة منصرفة عنه عند العرف . وقسم يكون أحد الضررين أقوى من الآخر بحيث يحكم العرف بعدم شمول القاعدة للأضعف بعد الكسر والانكسار ، فلا إشكال أيضاً في جريان القاعدة في خصوص الأقوى . أمّا المقام الثاني فهو أيضاً على قسمين : أولًا : يكون التعارض بين الضررين بالنسبة إلى مالكين ، كما في مثال إدخال الدابّة رأسها في قدر مالك آخر ، أو بالنسبة إلى غير المالك ، كما إذا كان تغيير مسير نهر عام موجباً للاضرار بقرية ، وعدم تغييره موجباً للاضرار بقرية أخرى ، ففي هذه الصورة أيضاً إمّا أن تجري القاعدة في الطرفين ثمّ تتساقط ، أو لا تجري رأساً من باب إنّ أدلّة القاعدة منصرفة عنها ، لأنّها حكم امتناني ولا امتنان فيها ، فلا بدّ حينئذٍ من الرجوع إلى قاعدة عقلائية أخرى ، وهي قاعدة العدل والإنصاف ، أو قاعدة الجمع بين الحقّين ، فيتعيّن أحد الضررين بالقرعة ثمّ تقسّم الخسارة بين الطرفين ، نعم هذا إذا لم يكن أحدهما مقصّراً ، وإلّا فعلى المقصّر تحمّل الخسارة كلّها . هذا كلّه إذا كان الضرران متساويين ، وأمّا إذا كان أحدهما أقوى من الآخر فليس المرجع حينئذٍ القرعة ، بل لا بدّ فيه من الأخذ بالأضعف وتعيين مقدار الخسارة فيه ، ثمّ تقسيمها بينهما ، كما إذا كان إخراج الدابّة عن الدار متوقّفاً على قلع باب الدار فحسب إذا كانت قيمة الدابّة أكثر من خسارة قلع الباب ونصبه ثانياً . هذه هي الصورة الأولى ، والعجب كيف لم يتعرّض الفقهاء إلى لزوم تقسيم الخسارة فيها بين الطرفين . ثانياً : يكون التعارض بين ضرر مالك وغير المالك ، والأمثلة المذكورة لهذه الصورة أكثرها خارجة عمّا نحن فيه ، كمثال جعل دار مطبخة أو مدبغة أو بيت حدّاد في سوق العطّارين ، فإنّها ليست مشمولة لقاعدة السلطنة عند العقلاء حتّى نحتاج إلى تضييقها بقاعدة لا ضرر ، لأنّ قاعدة السلطنة قاعدة عقلائيّة ، لها حدود وقيود ونطاق معلوم ، ومن تجاوز عنها عدّ متجاوزاً على حقوق الآخرين ، فليست القاعدة عندهم مطلقة من جميع النواحي ، ومن الواضح أنّ ما ورد في لسان الشرع بالنسبة إلى هذه القاعدة يكون إمضاء لما عند العقلاء بما لها من الحدود والقيود .